عبد القاهر الجرجاني
151
دلائل الإعجاز في علم المعاني
ويشتري ، ويأكل ويشرب " وأشباه ذلك ، ازداد معنى الجمع في " الواو " قوة وظهورا ، وكان الأمر حينئذ صريحا . وذلك أنك إذا قلت : " هو يضرّ وينفع " ، كنت قد أفدت " بالواو " أنك أوجبت له الفعلين جميعا ، وجعلته يفعلهما معا . ولو قلت : " يضرّ ينفع " : من غير " واو " لم يجب ذلك ، بل قد يجوز أن يكون قولك " ينفع " رجوعا عن قولك " يضر " وإبطالا له . وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصّلة ، ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصوّر تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر ، وذلك في مثل قولك : " العجب من أنّي أحسنت وأسأت " و " يكفيك ما قلت وسمعت " و " أيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله ؟ " ، وذلك أنه لا يشتبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين في حكم فعل واحد . ومن البيّن في ذلك قوله : [ من البسيط ] لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ، * وأن نكفّ الأذى عنكم وتؤذونا " 1 " المعنى : لا تطمعوا أن تروا إكرامنا قد وجد مع إهانتكم ، وجامعها في الحصول . ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام : [ من الطويل ] لهان علينا أن نقول وتفعلا * ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا " 2 " واعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله ، فيستغني بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه ، وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتّصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به ، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد ، كذلك يكون في الجمل ما تتّصل من ذات نفسها بالتي قبلها ، وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها . وهي كلّ جملة كانت مؤكّدة للتي قبلها ومبيّنة لها ، وكانت إذا حصّلت لم تكن شيئا سواها ، كما لا تكون الصفة غير الموصوف ، والتأكيد غير المؤكد . فإذا قلت : " جاءني زيد الظريف " ، و " جاءني القوم كلهم " ، لم يكن " الظريف " و " كلّهم " غير زيد وغير القوم . ومثال ما هو من الجمل كذلك قوله تعالى : ألم . ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
--> ( 1 ) من شعر الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب ، شرح الحماسة للتبريزي ( 1 / 121 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( ص 237 ) ، مطلع قصيدة في مدح محمد بن عبد الملك الزيات . ويروى : " فتفضلا " بدل من " وتفضلا " وبعده : أبا جعفر أجريت في كل تلعة * لنا جعفرا من سيب كفيك سلسلا لهان : أي واللّه لقد هان .